كوركيس عواد

153

الذخائر الشرقية

الدول العربية إلى وجوب الاحتفاظ بما لديها من ذلك التراث . فكان بدء اقتنائهم لها لا يسبق في الغالب هذا القرن العشرين . على أن قصر المدة لم يقف حائلا دون إحراز دور الكتب الأميركية شطرا حسنا من تلك المخلفات الخطية ، بل أن خزائن كتبها تزخر اليوم بجملة وافرة منها . والذي انتهينا إليه بعد استقراء أهم المكتبات هناك وتتبع ما فيها ، أن ما تحتويه كلها من مخطوطات مكتوبة بحروف عربية ، لا يقل في مجموعه عن عشرين ألف مخطوطة . ولعل من يتساءل عن كيف أحرزت دور الكتب الأميركية هذا القدر الكبير من المخطوطات . والجواب على ذلك أنها أحرزتها بوجوه شتى ، يشبه بعضها ما كانت قد سلكته دول أوربة من قبلها من هذا المضمار . على أن أعظم ما اجتذب المخطوطات إلى تلك البلدان النائية هو المال . فقد ابتاعت المكتبات والمتاحف ومعارض الفن والجامعات وغيرها من دور العلم ما وقع إليها منها بأثمان كبيرة ، اشترتها من العلماء والسياح والتجار وغيرهم ممن أم بلدان الشرق الإسلامي أو أقام فيها ردحا من الزمن . أدرك القوم هناك ما تنطوي عليه تلك المخطوطات من فوائد علمية وفنية ، فأخذوا يغالون في المحافظة عليها واختزانها بوجه يضمن سلامتها ويكفل انتفاع الناس بها . ولقد اعتنوا بوصف طائفة من تلك المخطوطات ، فنشروا في ذلك فهارس توضح من أمرها وتكشف النقاب عن خباياها . على أن الباقي من تلك المجاميع - وهو الغالب - ما زال ينشد من يعنى بوصفه في فهارس تطبع ، تعريفا وبه وإظهارا لمحاسنه . وللقارئ أن يتساءل : هل ثمة من جديد في تلك المخطوطات ؟ ونرانا في غنى عن القول بأن فيها طائفة تحوي جديدا في فنون شتى : سواء أكان ذلك في تنوع موضوعاتها ، أم في خطوطها المنسوبة ، أم في زخرفتها وتزويقها بالألوان الزاهية المشرقة ، وجلودها المذهبة والمطلبة بالمينا ، وكاغدها النفيس الفاخر الصنع . لقد كانت ثمة فرصة ثمينة جدا تلك التي أتاحتها لي هيئة اليونسكو ( UNESCO ) حين أوفدتني سنة 1950 إلى الديار الأميركية ، للوقوف على شؤون المكتبات فيها ، والاطلاع على ما هو متبع فيها من نظم وأساليب في تنظيم الكتب وتبويبها وفهرستها . فتهيأ لي أن أزور أمهات دور الكتب في كثير من بلدانها ، وأن أرى رأي العيان ما هي عليه